2011/11/12

ليبيا: بلد العجائب !!

انطباعات رحالة روسي يدعى: ألكسندر سيمو.. جاب معظم أنحاء العالم وقام بزيارة
 ليبيا عام 2002 م
أعترف، خفت من السفر إلى ليبيا، إذ أن تخيل الشيطان مرعب جدا . الحصول على تأشيرة كان صعبا جدا، كما إن اسم ليبيا الكامل الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية حرّك في داخلي ذكريات قديمة مخيفة، عشر سنوات بدون اشتراكية، وفجأة، هي في الجوار من جديد ...
أول شعور بعد العودة من الجمارك التونسية أنني أحسست وكأني في ساحة بناء، بل يراودني شعور بأنني لا أسير في الطريق الصحيح ولكن لا يمكن فعل شيء - الكل يسير و أنا أسير. أخاديد تحيط بالجوار، جبال من النفايات وبقايا مواد البناء، ومع ذلك لا يلاحظ هنا شغل أحد. نعم هي الاشتراكية في أبهى حللها !!
اجتزنا الحدود الليبية المخيفة. وها نحن نتجول في أول الطريق في هذا البلد غير المرئي . هنا يعمل الهاتف المحمول، ونحن نرسل رسائل قصيرة لكل من نستطيع . بعد عدة كيلومترات ينقطع الاتصال لوقت طويل. لليبيا شبكتها الهاتفية الخاصة، ولكن الاتصال من خلالها بالعالم الخارجي مقطوع ...
مرافقنا جاء من طرابلس بسيارته الخاصة، ونحن الآن نسير خلفه ونتبعه، والأصح أننا نسير بسرعة كبيرة على الطريق الرئيسي المزدحم!
الناس تسير بسرعة وبوقاحة . لا احد يحترم قواعد المرور. كما قال رجل من شركة التأمين: " لا داعي لقيادة السيارة بسرعة 180 كم ، من الممكن أن يوقفوك ويوبخوك والباقي ممكن!".
عندما وصلنا إلى طرابلس أصبح كل شيء (عال العال ). على الرغم من أن المدينة من حولنا بدأت تظهر إلا أن سيارة مرافقنا والسيارات الأخرى لم تبطئ من سرعتها.
الإشارات الضوئية من المعتاد  أن لا تعمل هنا، وإذا عملت فليس لكي يُنظر إليها . إذا اشتعل الأحمر ولا يوجد احد، يمرون بدون تفكير . فيما يشبه معنى " إفسح الطريق " . إن وقفت في انتظار الضوء الأخضر، فسترتفع أصوات المنبهات.
الطرق واسعة تسع صفوفا ً متعددة للسيارات، وأنا الآن وبعد أن زرت كل مدن الشرق تقريبا، أستطيع بيقين القول إن طرابلس هي أصعب مدينة لقيادة السيارات. كل السيارات تقريبا محطمة جوانبها. تجد على الأقل ضوءً خلفيا واحدا محطما حتى في أحدث السيارات. الناس لا تجعل من ذلك مأساة. ماذا حصل اصطدمت السيارات، تبادلنا السباب، هيا لنمضي في شأننا ؟ طلب التعويض بالخصوص غير محبذ هنا . أول حادث سيارة شاهدناه مباشرة على الحدود، حين قاد رجل سيارته في نهاية طابور وتوقفت به فجأة بعد التحامها بالسيارة التي أمامه. لا ينُصح بصدم المشاة على الطريق، السكان المحليون الغاضبون يمكن أن يصدروا حكما وينفذوه من دون تدخل الشرطة ...
أسكنونا في غرفتين زوجيتين. كل شيء شبيه جدا بالفنادق الخاصة بالأجانب في زمن الاتحاد السوفييتي، بدون أناقة عصرية. سعر الغرفة 45 $ يوجد ماء ساخن وكل شيء مرتب . بالطبع لا يعمل كل شيء كما يجب، فمثلا الباب من الداخل لا يمكن فتحه بدون التمتع بأفكار هندسية، خزان المرحاض لا يمتلئ بالماء إلا إذا أدخلت يدك فيه. ولكن هذا أمر حياتي عادي. الحجرة متواضعة جدا، إلا أنها نظيفة ومرتبة. وظيفيا كل شيء في محله، في الغرفة توجد قطعة صابون وفي الأخرى توجد مناديل ورقية، ولكننا لسنا مهتمين، يمكن أن نطرق أبواب الجيران إذا احتجنا ! في الحجرة يوجد سرير وتلفزيون. للحقيقة قناة واحدة حكومية تعمل، لا توجد إعلانات دعائية، الأخبار السياسية كثيرة جدا، في الغالب حول الحرب في فلسطين.
نقل الأخبار يسير من موقع أن ليبيا هي مركز العالم، وهي نموذج يُقتدى. معمر القذافي يظهر على شاشة التلفزيون بقدر معتدل. في الوقت المتبقي من الزمن على الشاشة يسير جرار زراعي، ومضخة تستخرج النفط. برنامج "ساعة ريفية" بالضبط كما هو الحال عندنا، امرأة مسنة تشرح كيفية غرس نخلة . مذيع في ثياب أوروبية، لا ينظر مباشرة إلى آلة التصوير، ويحاول يائسا ً إخفاء انفعاله بحركات يديه، أو بالانشغال بتصليح تسريحة شعره. تشعر بأن الأطباء النفسيين لم يصلوا إلى هذه البلاد ولا حتى إلى التلفزيون. وهذا كله معروف جدا لنا بتلفزيون السبعينيات في الاتحاد السوفييتي ...
لما خرجنا للتنزه خلف جدار السرايا الحمراء، كنا ببساطة مصدومين بحجم الخراب. ثلث المنازل غارقة في الأنقاض، قمامة مخيفة، تعوّد الناس على إلقائها كيفما اتفق، و لا يأبه لرفعها أحد على الإطلاق. و يمكن التساؤل من قصفها !؟ حسب علمي منذ الحرب العالمية الثانية لا أحد حارب هنا. يبدو أن الأنقاض والقمامة جزء أساسي خاص بطريقة تطور الحضارة المحلية المشي صار مرعبا. بدا لنا أنه في القريب سيخرج علينا مجرم متوحش ولا أحد يعرف ما سيحدث، ولكن بدل ذلك تجارى أطفال في ملابس لائقة ...
لاحقا أردنا البحث عن خريطة لليبيا باللغة العربية، ولكننا لم نحصل عليها، توجد خرائط لليبيا باللغة الإنجليزية فقط، البائع أعلن عن ذلك بكل فخر قائلا إن الخرائط باللغة العربية لم تعد تطبع، والحصول عليها الآن مستحيل. كل علامات الطرق والمعلومات مكتوبة باللغة العربية. الأحرف اللاتينية نادرة. تظهر في الأماكن السياحية وفي محطات التزود بالوقود علامات معروفة مثل " ممنوع التدخين " وفي أحيان نادرة جدا تكون علامات الطرق باللغة الإنجليزية، وهذه ليست ظاهرة حديثة، بل على العكس بقايا من آثار جيش منتغمري، الذي حارب هنا ضد فيلق روميل. أغلب الإشارات مكتوبة بلغة عربية سهلة الفهم ...
يوجد قانون يمنع الأجانب من التجول دون مرافقة، لكن معلوم ذلك فقط للسفارات وللوكالات السياحية. ليبيا بلد غير متوقع، فمنذ القديم تعوّد الناس هنا على العيش بمفهوم الرجل الطيب يستحق كل شيء، ماذا حصل إذا شرب، أو أكل ، أما السيئ فقتله قليل !!
شيء آخر من المعجزة الليبية ـ هي جبال أكاكوس، جبال بركانية المنشأ تقع في الجنوب الغربي على الحدود مع النيجر .
في جبال أكاكوس القانون المحلي يسمح بالزيارة فقط مع مرافق، وبعد الحصول على موافقة خاصة، على جواز السفر يضعون ختم : تأشيرة لزيارة أكاكوس. ثمن هذه المتعة بتصريح الوكالة السياحية ـ 20 $ في اليوم . استنادا على معلومات مجلة " الكوكب الوحيد " فهي تساوي 5 $، ما يستدعي الابتسامة!
الشهية تتسع، ومعها التطور ـ لا حاجة لأخذ أية صور. الرواية الرسمية تبرر: السياح الغربيون المتوحشون يهيمون في الصحراء بالعشرات، وقبل أن يختفوا في بحثهم عن الآثار يشوهون الرسومات الصخرية العتيقة بخربشاتهم . الملاحظة الأخيرة، ويا للعجب، صحيحة، ومزعجة أيضا. المراقبة التامة قادت إلى أن سيارات الشرطة تتناوب في حراسة المنطقة، بسيارات " الجيب " إلا أنه يمكن تجنبها، فمن حولك الصحراء وبمعرفة الطريق يمكن الالتفاف على نقط الحراسة. على الجبال ذاتها لا وجود لأية نقاط مراقبة، وإذا سرت على قدميك، فمن الواضح أن لا أحد سيمسك بك.
يجدر التذكير بأن الصحراء هذه ليست هضيبات القرم، بل هي أكثر جدية بكثير من ذلك. ومن المفيد التذكير أيضا أن المسافة من العوينات حتى جبال أكاكوس 50 كم ، ليست أقل من يومين مشيا . لم أفلح في استدراج السكان المحليين لمعرفة عقوبة من يخترق المنطقة بطريقة غير قانونية ...
نجحنا في العودة بينما سيارة الجيب لم تصل بعد. وبدأنا في القلق جراء ذلك، فذهبنا إلى المرشد السياحي . نادر جدا، أن تجد رفيقا مشغولا بالسياسة. على الحائط معلق شعار " ليبيا قوة حركة الحضارة ".
مع المرشد جرى الحوار التالي:
ـ لماذا لا تساعد روسيا أفغانستان ؟
ـ تساعد من هناك ؟
ـ تساعد كل الأفغان .
ـ من أين نأتي بالمال. روسيا ليست دولة غنية، والشيشان كافية لنا .
ـ ماذا تعني الشيشان ؟
ـ نعم ، عندنا حربنا الخاصة المشتعلة.
ـ لم أسمع بذلك. لكن الأفغان يحتاجون للسلاح وليس للمال . وها نحن نساعدهم ، جمعنا المال وساعدناهم، ولأجل ذلك رفعنا أسعار تذاكر السفر .
ـ أين سيضع الأفغان أسلحة أخرى، لديهم أسلحة أكثر من اللازم ؟
ـ أين !!؟ يقتلون الأمريكيين بها، نعم ولا يكون السلاح أبدا كثيرا. هاهي اليابان، أحسنت صنعا وساعدت الأفغان بتخصيص مليارات الدولارات. الآن من المؤكد أن الأفغان سينتقمون لهيروشيما !!...
عند وصولنا إلى الحدود انطفأت أشعة الشمس وبدأ انهمار المطر ... في مدينة حدودية صغيرة تدعى مساعد ... لم يتكلم أحد باللغة الإنجليزية والإجراءات لم تعد بسيطة . في طريق العودة عند أحد الحواجز أوقفونا وطلبوا وثائق السيارة واحتفظوا بجزء من هذه الأوراق. عند الحاجز التالي بدأوا بطلب إيصال دفع أجرة الفندق باللغة العربية . لمدة طويلة لم نستطع فهم ما يريدون، وها هو ما خفيّ عنا: بموجب هذه الأوراق يُرجّع مبلغ 50 $ من المبلغ المدفوع للفندق . الرجال في البوابة سحبوا منا إيصال دفع الفندق، كي يضعوا المال في جيوبهم فيما بعد. بعد طول تنقيب هنا وهناك مضينا مع رئيس الجمارك وقلبنا كل الأوراق في نقطة التفتيش ووجدنا إيصال الدفع الذي سُحب منا، ولكنهم لم يكونوا مغفلين، فبينما نحن نتردد على الحجرات المختلفة، أعادوا كتابة نسخة إيصال الدفع بدون ختم، واحتفظوا بالإيصال الأصلي المختوم لأنفسهم !!
بدون الإلحاح لاسترجاع مبلغ 50 $ كان بإمكاننا اجتياز الحدود الليبية منذ وقت طويل، لكننا رغبنا بحرارة في عودة الخمسين الخضراء العزيزة على القلب سالمة إلينا !! وها نحن للمرة الثالثة نذهب إلى مركز شرطة مدينة مساعد. المسؤول المحلي أشار متفهما عنادنا، إلى خلو الإيصال من الختم واقترح إعادة مبلغ 50 دينار بدل 50 دولار، وتقاسم المبلغ بأخوية. ونحن وافقنا على ذلك ...
 حوالي نصف ساعة تحدثت مع جمركي في آخر نقطة ليبية على الحدود مع مصر، انتهى الحديث بسؤال : ـ على كل حال هل أعجبتكم الشرطة الليبية ؟
ـ عادي، لا توجد مشاكل، مزاجها رائق وغير ضارة !!
ـ نعم نحن هكذا، لكن في مصر خذوا حذركم، فهم يحبون المال فوق اللازم. أتمنى لكم عبور مصر بدون مشاكل كبيرة !!...
يا لها من نصيحة !! لم نكن ندري آنذاك كم هو محق!!
وليبيا بالفعل بلد رائع !!...



ترجمة: محمد الطاهر الحفيان

هناك تعليق واحد:

  1. أخي محمد

    تحياتي وتمنياتي أن تكون على خير ما يرام
    أعجبني الموضوع وشدني براشقته وما يكشف
    لكن ليتك ذكرت المصدر أو فكرة عن صاحب الموضوع، حتى ينال الموضوع مصداقيته


    تحياتي

    ردحذف

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...