2011/11/13

رسوم نادرة لمدينتي طرابلس وغدامس


حظيت مدينة طرابلس بمكانة خاصة في القرن التاسع عشر باعتبارها بوابة هامة للدخول إلى الصحراء وإلى القارة الأفريقية. وقد انطلقت من طرابلس في القرن التاسع عشر بعثات استكشاف الصحراء الشهيرة التي قام بها رحالة ومغامرون من أمثال هيو كلابرتون، والاكسندر لينغ، وهنريخ بارت، وغوستاف ناهتيغال .. وآخرون كثيرون.
شارك في حملات اكتشاف إفريقيا عبر ليبيا رحالة من كل أنحاء القارة الأوروبية بما فيها روسيا القيصرية، إذ زارها في عام 1885 م، طبيب وفنان روسي يدعى الكسندر فاسيليفيتش يليسييف، وهو أول أديب روسي يترك وصفا للطوارق، كما يعد أول سائح روسي يصل إلى مدينة طرابلس. فمن هو هذا الطبيب والفنان القادم من بلاد الثلج إلى بلد الشمس؟
الكسندر فاسيليفيتش يليسييف (1858 ـ 1895 ) طبيب ورحالة، ولد عام 1858 م في مدينة " سفيابورغ في فنلندا. أكمل دراسة الطب الجراحي وخدم طبيبا حربيا في تركستان، وفي مناطق البلطيق وفنلندا. شملت رحلاته الأولى شمال روسيا وفنلندا والأورال على حدود روسيا الآسيوية. في عام 1881 زار مصر وسوريا، وفي عام 1882 زار شبه الجزيرة الاسكندينافية. كما زار مصر من جديد في عامي 1883 ـ1884م، ثم زار فلسطين ومنها عن طريق اليونان وصقلية وصل إلى طرابلس، ثم زار تونس والجزائر ووصل إلى غدامس. فيما بين عامي 1893 ـ 1894م زار السودان وإثيوبيا.
الرحالة والفنان والطبيب يليسييف أجرى دراسات في البلدان التي زارها وبالأخص حول علم الأجناس وعلم السلالات البشرية والطب.
بداية من عام 1878 م بدأ بنشر رحلاته في بعض الدوريات العلمية، وأصدر على حدة كتابا بعنوان" في أرجاء العالم" في ثلاثة مجلدات ضمنه تفاصيل رحلاته.
يقول يليسييف في وصف مدينة طرابلس: " على الرغم من أن طرابلس تقف على أنقاض المدينة الفينيقية القديمة (أويا )، التي كرست للإله الأعلى لتيرا، (ميلكارت الرهيب)، ألا أنه لم يبق لها من الآثار القديمة إلا القليل جدا ً ".
وقد اعتقد الرحالة الروسي أن قوس ماركوس أوريليوس في شارع ( الأربع عرصات) أهم معلم متبقي من آثار مدينة (أويا ) الفينيقية القديمة. وربما يعود ذلك لأنه بالأساس عالم متخصص في علم الأجناس، وأيضا ً لقلة اهتمامه بالمعمار، كما يشير في مذكراته.
كتب الرحالة يصف سكان مدينة طرابلس آنذاك بقوله:" لا أستطيع عدم تركيز اهتمامي منذ خطواتي الأولى في شوارع طرابلس على تنوع أجناس سكانها، الأكثر ملاحظة من غيرها من مدن الساحل، باستثناء بعض مواني سوريا. هنا تجد مختلف الثياب، وتلاحظ الألسن الكثيرة التي تفاجئ كل قادم جديد مع أول خطواته في شوارع طرابلس".
اهتم يليسييف في كتابه بتجارة القوافل مع أفريقيا، ولاحظ ازدهارها في فترة مجيئه، إذ يشير إلى أن أعدادا ً كبيرة من القوافل تأتي يوميا ً من أعماق الصحراء بالسلع المختلفة التي تمتلئ بها أسواق طرابلس .
وقد لاحظ الرحالة الروسي عند قدومه آنذاك، نهم الإيطاليين وطمعهم في احتلال ليبيا، وقد سمع عند إبحاره باتجاه سواحل ليبيا من البحارة والعمال الإيطاليين أنهم يعتبرون ليبيا منذ ذلك الوقت مستعمرتهم التي لن يتنازلوا عنها.
سعى يليسييف لدراسة السكان بالدرجة الأولى، لذلك لم يستقر له مقام في مدينة طرابلس وسرعان ما شد الرحال باتجاه الجنوب. انطلق الرحالة الروسي مع قافلة باتجاه فزان، حيث يذكر أن قائد القافلة كان من أهم خبراء الصحراء الكبرى وكان يدعى منصور الكبير. إلا أن هذه الرحلة لم يكتب لها النجاح وعادت أدراجها بعد أسبوعين نظرا ً لتواتر الأنباء عن حدوث هجمات ضد بعض القوافل.
border="0"فيما بعد توجه يليسييف، إلى غدامس التي أعجب بسكانها وبمعاملتهم أشد الإعجاب. وقد أفرد للحديث عن خصائصهم فصولا ً مطولة في كتابه " في أرجاء العالم"، من ذلك قوله: " من الغريب أن المدينة نفسها لم تلفت انتباهي، بل ما لفت انتباهي هم سكانها الرائعون". ويستطرد في وصف استقبال أهالي غدامس واحتفائهم بقافلته بقوله:
border="0""عند مدخل المدينة، استُقبلنا من قبل جموع من الغدامسية، الذين كانوا يرتدون أغطية على الرأس بيضاء وسوداء، كما الطوارق. انطلقوا نحو قافلتنا الصغيرة وهم يطلقون صرخات البهجة، يحيون قائد القافلة (ابن صلاح)، ويستوضحون منه كل شيء ضروري عني . كثير من القادمين اقتربوا من جملي، في نفس الوقت الذي قام البعض بقيادته من رسنه، بينما البعض الآخر مسّد جنبه المتعرق، وآخرون وصلوا إليّ أيضا ً. في شرف مقامي كرحالة طبيب، يجمع الأعشاب الطبية في الصحراء، حملت متقدما ًحزما ً من النباتات اليابسة، الأمر الذي لفت انتباه الجميع. دخولنا إلى غدامس كان احتفاليا ً بهذا الشكل، وقد تسبب في حدوث ضجيج كبير في المدينة، التي نادرا ً ما ترى أوروبيا. بيت ابن صلاح كان يقع خارج حدود المدينة وسط حديقة رائعة لم أكن أحتاج لشيء أكثر منها".
ويقول معبرا ً عن مظاهر التبجيل التي لقيها من الأهالي: "أنا فعلا ً لم أجد هنا فقط المأوى والمعاملة الطيبة، بل لقيت تكريما ً خاصا ً: الناس الطيبون كانوا في حيرة كيف يُرضون الطبيب القادم إلى غدامس من أجل تقديم العون لعدد من مرضى عائلة ابن صلاح".
أما عن الطوارق، فان يليسييف علامة على إعجابه بالدور الكبير الذي تؤديه المرأة عندهم، فقد جعل من ابنة أحد شيوخهم شخصية محورية في مذكراته  بفضل التفاصيل الكثيرة التي خصها بها، من ذلك هذا الوصف لحفل دعي إليه:
"ذات مرة حضرت حفلا ً أقامه " أخاريخيلين"، احد زعماء الطوارق، الذي عاد منذ وقت قصير من رحلة إلى جبال الهقار. هنا بالإضافة للرجال، كانت توجد النساء. بنات الصحراء كن لابسات ثيابا ً زرقاء متزينات بالخواتم والحُلي. كثيرات منهن لهن وجوه مزينة بصبغة صفراء، ولهن ملامح رقيقة. من بين نساء الطوارق تميزت بالخصوص الحسناء " أفانيور" ابنة أخاريخيلين".
ترك الرحالة الروسي دراسات متخصصة كثيرة مبثوثة في الدوريات العلمية القديمة، بالاضافة إلى ما احتواه كتابه " في أرجاء العالم" من معلومات تاريحية قيمة.
ومن أهم ما ترك لنا يليسييف أيضا ً لوحات فنية رسمها لمدينتي طرابلس وغدامس عكست جوانب مختلفة لخصوصية الأهالي. وقد وثقت هذه اللوحات معالم المدينتين ومظاهر الحياة فيهما، كما خلّدت بعض الشخصيات التي إلتقاها الرحالة وتعايش معها عن قرب.

د. محمد الطاهر الحفيان

هناك 3 تعليقات:

  1. غير معرف11/22/2011 9:46 ص

    مبدع و ذواق أنت يا دكتور محمد
    تقبل فائق تحياتي و أحترامي
    خالد عطية المحروق

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    هل يمكن افادتنا ما اذا كان صدر لهذا الرحالة كتاب عن رحلته باللغة الانجليزية او الفرنسية .. هل يمكننا الحصول على الرسومات الخاصة برحلته .. ارجو المساعدة في الأمر

    ردحذف

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...