2010/01/01

ستالين.. ونبؤات العراف البولندي


يضفي الغموض على التاريخ الإنساني نكهة خاصة محببة حتى في أحلك الأوقات، فيبرز على هامش المأساة الإنسانية نسيج من الحكايات الشعبية متشبت بالخيال، يكرس المعجزات والأسرار، التي تلون جوانب الأحداث الكبرى بوقائع مستمدة في العادة من ظواهر غيبية غامضة، تتحول إلى قوة تؤدي ادوارا رئيسية في التاريخ . هذه النزعة ترفض التسليم بكون التاريخ سلسلة من الوقائع الجامدة الواضحة المعالم.
فولف ميسينغ من الشخصيات الهامة التي ارتبطت في الوعي السوفييتي بالحرب الوطنية العظمى، أي فترة الحرب العالمية الثانية بعد غزو ألمانيا للاتحاد السوفييتي من عام 1941 إلى 1945 م. عبر هذه الشخصية انعكست الحرب العالمية الثانية بألق خاص اضفته أجواء المعجزات والاسرار والغيب.
ولد ميسينغ في مدينة غورا كالواريا البولندية التابعة آنداك للامبراطورية الروسية في العاشر من سبتمبر 1899 م وتوفى في موسكو عام 1974 م. وبين التاريخين قضى حياة حافلة مليئة بالمغامرات والغموض، جعلت منه خلالها موهبته المتعددة كعراف وقارئ للمستقبل وللأفكار، شخصية بارزة تتركز حولها الأنظار وتلهج بذكرها الألسن، وينتظر منها البسطاء المعجزات.
وصل ميسينغ إلى أراضي الاتحاد السوفييتي عام 1939 م ، بعد بدء الحرب العالمية الثانية، حيث عمل على استعراض قدرته على قراءة الأفكار والحيل والخدع أمام الجمهور على المسرح وفي السيرك. فُتحت الأبواب أمام ميسينغ بعد أن أقنع الكثيرين بقدراته الخارقة، وايضا لأن جميع تنبوءاته حملت أنباء سارة للدولة السوفيتية..
ميسينغ وصف موهبته باللعنة، ربما ليوحي بأن معرفة المستقبل وقراءة أفكار الآخرين، فيها من المعاناة والألم الكثير. كما شرح ما يتمتع به من قدرات بالقول إن وعيه مرتبط بأحد ما أو بشيئ ما. ورغم تواضع ميسينغ في وصف مواهبه فقد اعتاش عليها، ونال احتراما واعجابا منقطعي النظير بفضلها.
تتضارب الآراء حول حقيقة الحكايات التي نسجت حول لقاءات فولف ميسينغ ويوسف ستالين، إلا أن ميسينغ ذكر في كتابه "عن نفسي بنفسي" أنه قابل ستالين الذي امتحن قدراته، بل واختبره في مهمة مستحيلة حينما طلب منه أن يسحب بورقة عادية من مصرف الدولة 100 ألف روبل، وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت.. ميسينغ ذكر في كتابه إنه ذهب إلى المصرف رفقة شهود أُرسلوا خصيصا لتوثيق مهمته، ومد للصراف ورقة منزوعة من دفتر مدرسي، ثم فتح حقيبته، فعد الصراف مبلغ 100 الف روبل ووضعه في حقيقبة ميسينغ.
ميسينغ أكد للسوفييت أنه هرب من وجه هتلر الذي أمر بتعقبه ووضع جائزة كبيرة مقابل رأسه مقدارها 200 ألف مارك بعد احتلال قواته لبولندا،لأنه حسب زعمه تنبأ عام 1937 في أحد استعراضاته في وارسو بموت هتلر إذا وجه قواته نحو الشرق.
أما الحادثة التي رفعت من شأن ميسينغ بحسب الحكايات الشائعة من سيرته، فارتبطت بموقف كاد أن يؤدي به إلى التهلكة في نفس الوقت. ففي عام 1940 م، بعد توقيع روسيا وألمانيا اتفاقية عدم الاعتداء المعروفة باسمي وزيري خارجية البلدين (مولوتوف – ريبينتروب) والتي سبقت غزو هتلر لبولندا بثمانية أيام، سُئل في نادي هيئة مكافحة الجريمة وتعزيز النظام عن رأيه في الاتفاقية الروسية الألمانية، التي كان ينظر إليها آنذاك باعتبارها قرارا حكيما جنّب بواسطته ستالين بلاده الحرب.
ميسينغ فاجأ الجميع بالقول إنه يرى دبابات تحمل النجمة الحمراء تسير في شوارع برلين.
سيرة ميسينغ تؤكد أنه عوقب على ما عُد شكا في حكمة ستالين، فاختفى اسمه من الاعلانات وأوقفت استعراضاته إلى يوم 22 يونيو 1941 م، حين نقض هتلر معاهدة عدم الاعتداء وهاجمت قواته الاتحاد السوفييتي.
بعد نشوب الحرب عاد نجم ميسينغ إلى السطوع، فجال في طول البلاد وعرضها، مبرزا قدراته ومواهبه أمام الحشود، وشارك في المجهود الحربي متبرعا بريع عمله لصنع طائرتين مقاتلتين.
نبؤة ميسينغ التي أعطت الأمل بالنصر للملايين في الاتحاد السوفييتي، باح بها في أوج اشتداد الحرب عام 1943 م . فمن خشبة مسرح مدينة نوفاسيبيرسك الروسية ، أجانب على سؤال كان يؤرق الجميع آنذاك: متى ستنتهي الحرب؟
ما أن قرأ ميسينغ السؤال حتى أجاب: 8 مايو.. من دون ذكر العام. ومن جديد يدخل ستالين على الخط، فيؤكد ميسينغ أن ستالين علم بالنبوءة ، ودليل ذلك أنه بعث إليه ببرقية تهنئة بعد أن استسلمت ألمانيا.
الحرب انتهت في 9 مايو 1945 م، وميسينغ أغفل في حساباته يوما واحدا فقط.
لا يزال الكثيرون، يؤمنون بوقائع تاريخ ميسينغ وبصحة نبوءاته وبدوره الكبير في رفع معنويات شعوب الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب. إلا أن وقائع التاريخ ببراهينها وأدلتها، لم تستجب لأحداث التاريح الشحصي الذي كرسه ميسينغ في كتابه "عن نفسي بنفسي"، فبعض الباحثين ممن درسوا ظاهرة ميسينغ حاولوا وضع ما أفصح عنه تحت ضوء الوقائع والمستندات، فلم تصمد رواياته وكاد البريق أن يزول ويختفي السحر!
ميسينغ كان أكد أنه التقي العالم الألماني إينشتاين، عام 1915 حين كان له من العمر 16 عاما في شقته في فيينا، وتعرف على فرويد. إلا أن الباحثين اكتشفوا أن إينشتاين لم يكن له منزل في فيينا، بل لم يزر فيينا من عام 1913 حتى عام 1925 على الاطلاق.
هذا الاكتشاف شكك في مصداقية ميسينغ وشوه الصورة النمطية عن بساطته وصدقه، وهذا ليس كل شيئ، فتفاصيل أخرى أكثر أهمية، لم تصمد أمام الواقع.
ادعى ميسينغ أن هتلر وضع جائزة مقابل رأسه قدرها 200 الف مارك بعد احتلاله لبولندا، وأنه هرب من الجنود الألمان الذين ألقوا القبض عليه بفضل قدراته على التأثير على الآخرين والسيطرة عليهم. إلا أن جميع الوثائق الروسية والألمانية التي تم فحصها لم تؤكد حادثة القبض على ميسينع، كما لم يعثر على أي دليل حول اطلاع هتلر على نوءاته.
لقاءات ميسينغ مع ستالين، ايضا يحيط بها الشك، فلم يعثر في أرشيف الهيئات الأمنية الكي جي بي أو الاف اس بي، أو غيرها من المؤسسات عما يشير إليها من قريب او بعيد.
أما بالنسبة إلى اختبار ستالين لقدرات ميسينغ عبر سحب مبلغ كبير من مصرف الدولة مقابل قصاصة ورق، فاجراءات بنوك الدولة آنذاك تدحضها، إذ أن المحاسب لم يكن مخولا باعضاء النقود، بل يستلم الصكوك التي تخضع لفحوصات دقيقة داخل المصرف، قبل أن تعود إلى الصراف الذي يعد الوثائق والنقود على ضوئها.
رغم كل ذلك لا يزال ميسينغ، محط اهتمام الجمهور في روسيا الاتحادية، فالمقالات حول مواهبه تحظى باقبال واسع، فيما تعد القنوات التلفزيونية المسلسلات والأفلام والبرامج الوثائقية عن مآثره، وأعماله. ولا تجد إلا القليل ممن يرغب في استبدال التاريخ الساحر الغرائبي، بوقائع جامدة. على أي حال هذه سنة الطبع البشري في كل مكان!


محمد الطاهر الحفيان

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...